حسن حنفي
47
من العقيدة إلى الثورة
وملة بين الخير والشر ، بين الحق والباطل ، بين الفضيلة والرذيلة ، بين الحسنة والسيئة وما ينتج عنها من ثنائية الجزاء في الثواب والعقاب « 77 » . وتحيل الخواطر إلى موضوع الحرية والاختيار أكثر من احالتها إلى موضوع العقل المكتفي بذاته دون ما حاجة إلى نبوة . فقد يوجد الخاطر ان متضادين ، الأول من الله والثاني من « الشيطان » وعلى الانسان أن ينصر الأول على الثاني في معركة الخواطر « 78 » . وقد يكون خاطر الدعوة
--> ( 77 ) فأما البراهمة فإنهم أقروا بتوحيد الصانع ، وأنكروا الرسل وقالوا إن الله فرض على عباده المعرفة والاستدلال عليه ووجوب شكره ، وأن قلب كل عاقل لا يخلو من خاطرين ، أحدهما من قبل الله ينبهه إلى ما يوجبه عقله من معرفة الله ووجوب شكره ، ويدعوه إلى النظر والاستدلال عليه بآياته ودلائله . والخاطر الثاني من قبل شيطان يصرف به عن طاعة الخاطر الّذي من قبل الله . وأثبتوا الخاطرين عرضين . وقالوا انما وقع التكليف بهذين الخاطرين لأنه لو انفرد فيه أحد الخاطرين دون الآخر صار ملجئا إلى طاعة الخاطر الّذي فيه ولا تكليف مع الالجاء ، الأصول ص 26 ، جحدوا الرسل وأثبتوا التكليف من جهة العقول والخواطر وأبطلوا الفرائض السمعية ، وقالوا إن قلب كل عاقل لا يخلو من خاطرين أحدهما من قبل الله ينبهه على ما يوجبه عقله ، يدعو به إلى النظر والاستدلال ومعرفة الاله وتوحيده ، والآخر من الشيطان يدعوه إلى معصية الخاطر الأول . وقد مكن الله الشيطان من القاء الخاطر الداعي إلى الشر في قلب العاقل ليعتدل به دواعيه ويصح منه اختيار أحد الخاطرين . ولو افرده بالخاطر الأول لكان يلجأ إلى ما يدعوه إليه لأنه ليس في مقابلته ما يدعوه إلى ضده ، ولا تكليف مع الالجاء ، الأصول ص 154 - 155 . ( 78 ) يقول المعتزلة أيضا بالخواطر ، فعند أبى الهذيل الخاطر الداعي إلى النظر والاستدلال يورده الله على قلب العاقل يدعوه به إلى طاعته ويحرك به دواعيه على الاستدلال عليه بتخويفه وترهيبه . والخاطر الثاني من قبل الشيطان يصده به عن طاعة الخاطر الأول وكلاهما عرضان ، الأصول ص 27 - 28 ، ووافقه الجبائي وابنه على وجود الخاطرين وأنهما عرضان ، غير أن الجبائي قال إن الخاطر الداعي إلى النظر والاستدلال من قبل الله جارى مجرى الامر . وهو قول خفى يلقيه الله في قلب العاقل أو يرسل ملكا يلقى ذلك في قلبه . وكذلك الخاطر الّذي يلقيه الشيطان قول خفى يخاطبه به وأنكر قول أبيه وأبى الهذيل في كون